تركي المصطفى
لا تكف رياح الساحل السوري عن حمل أخبار متضاربة، فبين تقارير غربية تُضخّم وجودَ "شبكات متمردة علوية" قادرة على زعزعة الاستقرار، وبين واقع أرضي يعجّ بعمليات أمنية استباقية وهجمات مبعثرة تفتقر للبوصلة، تكشف المعركة عن فصل جديد من فصول الصراع السوري المركب. فالتقرير الذي نشرته "نيويورك تايمز" في الرابع والعشرين من ديسمبر، والذي سلط الضوء على جهود مسؤولين سابقين في نظام الأسد – كسهيل الحسن وكمال الحسن وغيرهما – لتجنيد وتمويل ما يُزعم أنه مئات الآلاف من المقاتلين، يبدو وكأنه يعيد إنتاج سردية "التهديد الكبير"، لكن هذه السردية تتصادم مع مؤشرات الميدان الضعيفة والمتقطعة. فها هي جماعات مثل "لواء درع الساحل" و"سرايا الجواد"، التي تنسب نفسها إلى ذلك الموروث الأسدي، تكشف هشاشتها عبر هجماتها المحدودة التي انكفأت منذ آذار (مارس) 2025 عن تحقيق أي اختراق ملموس. بل الأكثر دلالة، أن بعض هجماتها اتجهت صوب استهداف مدنيين علويين عُزّل، في انزياح عن الهدف العسكري المعلن يكشف عن يأس تنظيمي وأزمة واضحة. حتى الهجومان المنفصلان في اللاذقية وطرطوس أواخر ديسمبر، واللذان استغلا احتجاجات مدنية، يبدوان أكثر كمحاولة لاستفزاز رد فعل حكومي عنيف منه كمقدمة لعاصفة عسكرية منظمة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: أين تذهب تلك الملايين من الدولارات التي يُزعم أن القادة السابقين، مثل غياث دلا، يوزعونها شهريا؟ الأرقام المذكورة – مثل ادعاء سهيل الحسن الوصول إلى 168 ألف مقاتل "صامت" – تثير الدهشة ليس لعظمتها فحسب، بل لاستحالتها اللوجستية في بيئة أمنية مشدودة مثل الساحل السوري اليوم. إن ادعاءً كهذا، ليس سوى "ورقة ضغط" في حرب نفسية وإعلامية يخوضها المنفيون، أكثر منه خطة عملية على الأرض. وهو ما تؤكده اعترافات بعض المقاتلين الذين تلقوا أموالا بأنهم يفتقرون إلى "الولاء الحقيقي أو الرغبة في القتال والموت" وراء أولئك القادة.
وفي الجهة المقابلة، يبدو أن الحكومة السورية، وقد استوعبت دروس المجازر الانتقامية التي شهدها الساحل في آذار (مارس) 2025، تعمل على مسارين متوازيين: مسار أمني حازم ومسار مجتمعي مرن. فهي لم تتردد في شن عمليات استباقية، كما حصل في بعبدا حيث قُتل ثلاثة من عناصر "رجال النور" وضُبطت أسلحة وعبوات ناسفة، لكنها في الوقت ذاته، تمارس سياسة مختلفة عن فظائع الماضي. إن فرض حظر التجوال في اللاذقية وبناء الطوق الأمني لمنع العنف الطائفي، وإنشاء "اللجنة العليا لحفظ السلم الأهلي" لتقديم العفو والمساعدات الاقتصادية والطبية، كلها تكتيكات تشير إلى وعي جديد بخطورة استقطاب المجتمع العلوي. إنها محاولة لقطع الطريق على خطاب المنفيين، باستبدال وعودهم المالية بواقع من الخدمات والأمن النسبي، ومحاولة لكسب ولاء الطائفة عبر معاملتها كشريك في الاستقرار وليس مجرد قاعدة بشرية للحكم.
وبالنتيجة، فمعادلة الساحل السوري اليوم هي معادلة هشة في مواجهة حذر. فشبكات التمرد المزعومة، حتى وإن كانت ممولة من الخارج، تظهر عجزا تنظيميا وافتقارا إلى قاعدة شعبية حقيقية تمكنها من قلب الطاولة. بينما تمارس الحكومة، من جانبها، سياسة أكثر تعقيدا من مجرد القمع، تسعى من خلالها لاستعادة الشرعية داخل المجتمع العلوي ذاته. والصراع الحقيقي قد لا يكون في مواجهات المسلحين بقدر ما هو في القدرة على إدارة هذا المجتمع وامتصاص غضبه، قبل أن تتحول الشرارة الصغيرة، التي قد يأتي بها غرباء أو منفيون، إلى حريق جديد. فالعبرة ليست في عدد الأسلحة التي يمكن تهريبها، بل في عدد القلوب والعقول التي يمكن كسبها أو خسارتها على ذلك الشريط الساحلي المضطرب.