بحث

احتجاجات إيران: من هتافات المدن إلى زجاجات المولوتوف في الأرياف

تركي المصطفى

الأرقام تتحدث.. والدماء تسيل 

سجلت أجهزة المراقبة الدولية 56 احتجاجا في اليوم الأول من يناير، ثم 70 احتجاجا في اليوم الثاني، بعد أن كانت 31 احتجاجا في اليوم الأخير من ديسمبر. هذه الأرقام ليست إحصاءات جافة، بل هي نبض شوارع إيران، ودقات قلب أمة تعاني.

امتدت الاحتجاجات من 17 محافظة إلى 22 محافظة، من أصل 31 محافظة. وانتقلت من المدن الكبرى -التي اعتادت سماع هتافات الغضب- إلى البلدات الصغيرة والمتوسطة، حيث المفاجأة كانت أكبر، والردود أكثر عنفا. اللافت أن المناطق الكردية -التي كانت ساحة رئيسية لاحتجاجات مهسا أميني- شهدت هدوءا نسبيا هذه المرة، وكأن العاصفة انتقلت إلى قلب إيران العميقة.

الريف يثور.. والأمن يطلق النار

شهدت الأيام الأولى من يناير تصعيدا ملحوظا في حدة المواجهات، خاصة في المناطق الريفية والأقل كثافة سكانية. هنا، حيث تتراخى قبضة الأمن، يظهر التحدي بأقسى صوره. سقط قتلى في كهداشت ولورستان، وفي فولادشهر بأصفهان، وفي مرودشت بفارس، وفي أزنا ولوردجان.

استخدام الذخيرة الحية من قبل قوات الأمن يعكس إحساسا بالخطر، وربما اعترافا ضمنيا بتراجع القدرة على السيطرة بالأساليب التقليدية. العجيب أن النظام زعم أن أحد القتلى في كهداشت كان من الباسيج، محاولا تحويل الضحية إلى جلاد. لكن الأب نزع القناع: "ابني لم يكن من الباسيج".

الجنازات.. من مراسم العزاء إلى ساحات الاحتجاج

عندما تتحول الدموع إلى هتافات 

في الثاني من يناير، تحولت جنازتا شهيدين في كهداشت ومرودشت إلى مظاهرتين مناهضتين للنظام. "سأقتل، سأقتل من قتل أخي".. هتاف يلخص حالة الغليان. لطالما حاول النظام منع إقامة الجنازات للشهداء، فهو يعلم أنها شرارة تتقد في قلوب الأحياء.

المثير أن المتظاهرين -في بعض المواقع- لم يكتفوا بالهتاف، بل ردوا على العنف بعنف مضاد: زجاجات مولوتوف في أراك، وإحراق سيارة أمنية في لورستان، ومبنى للباسيج في همدان، ومدرسة دينية في تشهارمحال. النظام يعلن عن إصابات في صفوفه، والمتظاهرون يعلنون أن القمع لن يثنيهم.

الرسائل الدولية.. تهديد وردود

اللعبة الكبرى.. وإيران في المركز 

دخلت الاحتجاجات الإيرانية في حسابات القوى الدولية، فتصريح الرئيس الأمريكي ترامب بالتدخل إذا قُتل متظاهرون سلميون، فتح الباب لردود إيرانية غاضبة. رئيس البرلمان قاليباف يحذر أن قواعد أمريكا في الشرق الأوسط ستكون "أهدافا مشروعة"، وقائد الحرس الثوري السابق رضائي يتحدث عن "تدمير" إسرائيل والقواعد الأمريكية، ولاريجاني يحذر من زعزعة الاستقرار.

هنا تظهر إيران بوجهين: وجه داخلي يكافح للسيطرة على الشوارع، ووجه إقليمي يهدد بقدراته العسكرية. لكن السؤال: هل يستطيع النظام استخدام الورقة الخارجية لاحتواء الغضب الداخلي؟

بلوشستان.. حيث يختلف المشهد

الهامش الذي يصنع الفارق 

في زاهدان، عاصمة سيستان وبلوشستان، يتجمع المحتجون بعد صلاة الجمعة. خطيبهم، مولانا عبد الحميد، يمنح الاحتجاجات شرعية دينية: "الاحتجاجات السلمية حق قانوني ومشروع". وينتقد إدارة الاقتصاد بقسوة: "حياة الإيرانيين وصلت إلى طريق مسدود".

بلوشستان قصة مختلفة: احتجاجات أسبوعية منذ "الجمعة الدامية" في سبتمبر 2022، واستمرار رغم انحسار الموجة الوطنية. هنا لا يتحدثون فقط عن الغلاء، بل عن "تمييز هيكلي". والجبهة الشعبية للمبارزون تعلن دعمها للاحتجاج مع حذرها من التدخل المباشر "حتى لا توفر ذريعة للقمع".

الأصوات من داخل النظام.. انتقادات تظهر الشقوق

حتى المراجع يشتكون 

في قم، مركز الثورة الدينية، يعلو صوت المرجع الشيعي حسين نوري همداني منتقدا: "غياب القيادة والإدارة السليمة هو سبب هذه المشاكل". الرجل الذي دعا النظام خلال احتجاجات مهسا أميني للاستماع إلى المحتجين، يعيد الكرة: "الإيرانيون سئموا من ارتفاع الأسعار".

هذه الانتقادات من داخل الحوزة العلمية ليست جديدة، لكن توقيتها الآن يشير إلى عمق الأزمة. عندما يصرح رجل دين بهذا المستوى بأن "الناس في حيرة" ويعانون "ضغوطًا اقتصادية"، فهو يعترف بفشل ذريع في الإدارة.

خاتمة: 

إيران أمام خيار مصيري، والشارع يعبر عن إحباط متزايد، والنظام يحاول الموازنة بين القبضة الحديدية والخوف من الانفجار الكبير، والاحتجاجات انتقلت من مراكز المدن إلى الأرياف، ومن الطبقات المتوسطة إلى شرائح أوسع، والتحدي الحقيقي لنظام طهران لم يعد في القدرة على القمع اليومي، بل في الإجابة على سؤال بسيط: كيف يمكن إرضاء شعب يقول مرجعه الأعلى إنه "سئم"؟

مقالات متعلقة