تركي المصطفى
لا تهدأ الأرض في إيران، ولا يسكن قلق السلطة، فمع انقضاء اليوم السادس على التوالي، تستمر جذوة الاحتجاجات في الامتداد، محطمة حاجز الجغرافيا ومتحدّية قيود القمع. فمن شرارتها الأولى في العاصمة طهران في الثامن والعشرين من ديسمبر، امتدت الموجة لتشمل سبع عشرة محافظة، وكأنها إعلان عن حالة غليان عام لا يخصّ مدينة دون أخرى، والأرقام الراصدة ترتفع من أربعة وعشرين مظاهرة احتجاجية إلى واحد وثلاثين في يوم واحد، في إشارة واضحة إلى أن سلم التحديّ في تصاعد، فيما تترنح أدوات الردع التقليدية.
أدوات القمع بين القسوة والتناقض
واجهت السلطة هذا الامتداد الشعبي بمزيج من القسوة المفرطة والردود المتناقضة مع واقع البلاد. ففي مدن مثل "فسا" و"كهداشت"، تجاوزت قوات الأمن خطوط الترهيب إلى استخدام الذخيرة الحية ضد الحشود، في سياسة تبدو مقصورة على المناطق الأقل سكانا حيث تاريخيا يضعف قبضة المركز. وفي تناقض صارخ، لجأت الأجهزة الأمنية في مدن مثل "همدان" و"أراك" إلى استخدام خراطيم المياه لتفريق المتظاهرين تحت درجات حرارة ما دون الصفر، في بلد يعاني أصلا من أزمة مائية هي الأسوأ في تاريخه. إنه تناقضٌ يفضح جوهر الأولويات: أمن النظام فوق أمن المواطن، وبقاء الحكم فوق كل اعتبار، حتى وإن كان على حساب آخر قطرة ماء في بلد عطشى.
الاعتقالات الاستباقية.. سياسة الخوف
لم تكن الرصاصة والماء هما أداتي المواجهة الوحيدتين. فسجلات الاعتقالات امتلأت بأسماء جديدة من "همدان" و"فارس" و"خوزستان"، في حملة تطهير ميدانية تهدف إلى كسر شوكة الحراك قبل استفحاله. وفي إجراء مواز، يبدو أنه موجّه لإرسال رسائل أوسع، أعلنت وزارة الاستخبارات عن اعتقال سبعة أشخاص زعمت صلتهما بـ"رضا بهلوي" الابن المنفي للشاه السابق، متهمة إياهم بمحاولة تهريب أسلحة والتحريض على العنف. هذه التهمة، بغض النظر عن مدى صحتها، تخدم خطاباً أمنيا يسعى لتصوير الاحتجاجات الداخلية كنتاج لمؤامرة خارجية، محاولا بذلك تجريدها من طابعها الشعبي العفوي.
الجامعات.. المعركة على العقل والقلب
تتذكر السلطة جيدا الدور المحوري الذي لعبته الجامعات في انتفاضة "مهسا أميني"، لذا فهي تُعدّ عدتها هذه المرة، فتحت ذريعة "برودة الطقس"، تم توجيه عدد من الجامعات للتحول إلى التعليم عن بُعد حتى نهاية الفصل، في خطوة استباقية واضحة الهدف: عزل طلبة الجامعات، ذلك الركام المتحفز القادر على إشعال الشرارات الكبرى، ومنعهم من التحول إلى قاطرة للاحتجاج مرة أخرى. ولم تكتف بذلك، بل سارعت إلى فصل بعض "مسؤولي الأمن" الجامعيين بعد حوادث اعتقال عنيفة للطلاب، في حركة استرضاء شكلية تهدف إلى امتصاص الغضب. إنها لعبة القمع والترغيب، فبينما تطلق سراح خمسة طلاب معتقلين، تواصل اعتقال آخرين بعنف. النظام يدرك أن المعركة الحقيقية هي على عقول وقلوب هذه الشريحة، وهي معركة لم يحسمها بعد.
الترقيات العسكرية.. إعادة بناء الدروع بعد الحرب
وفي خضم هذه العاصفة الداخلية، كان للمؤسسة العسكرية والأمنية حصتها من التحركات، أقدم المرشد الأعلى علي خامنئي على خطوة لافتة بنقل العميد "أحمد وحيدي" – الرجل ذو الخبرة في قيادة فيلق القدس والدفاع والداخلية – من منصب نائب رئيس هيئة الأركان العامة إلى منصب نائب قائد الحرس الثوري، ليحل محل العميد "علي فدوي" الذي تجاوزه الترقية مرتين، هذا التعيين ليس مجرد شغل منصب شاغر، بل هو حلّة في نسيج معقد من إعادة بناء القيادة العليا للجيش والحرس بعد الحرب الإسرائيلية الإيرانية الأخيرة التي أودت بالعديد من قادة النخبة، كما أن التقارير تتحدث عن خلافات داخلية حول أولويات إعادة التسلح، وخاصة فيما يتعلق بالدفاع الجوي، مما يكشف التحدي الذي يواجه خامنئي في توحيد صفوف قادة جدد من خلفيات وانتماءات فصائلية متباينة.
واللافت في توقيت ترقية "وحيدي" هو سجله الحافل في قمع الاحتجاجات، حيث وُضع تحت عقوبات غربية لدوره في مواجهة احتجاجات "مهسا أميني". ويبدو أن النظام، بتعيينه في هذا المنصب الحساس وسط تصاعد الاحتجاجات، يضع ثقته في رجل "المواجهة الداخلية" الصلب ليدير هذا الملف الشائك.
إعادة الهيكلة.. هل تندمج أركان الحرب مع عملياتها؟
وقد لا تتوقف التغييرات عند هذا الحد. ثمة أنباء غير مؤكدة، ولكنها تستحق التسجيل، تشير إلى أن خامنئي قد يفكر في خطوة أكبر: إعادة دمج "هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة" مع "هيئة خاتم الأنبياء المركزية" المسؤولة عن العمليات. لقد فصلهما عام 2016، والفصل بين التخطيط الاستراتيجي (الأركان) والتنفيذ العملياتي (خاتم الأنبياء) كان له حكمته. أما العودة إلى الدمج فستكون اعترافا ضمنيا بحاجة النظام، في هذه المرحلة الدقيقة، إلى مركزية أعلى للقيادة وسرعة أكبر في اتخاذ القرار، سواء لمواجهة التحديات الخارجية أو لتعزيز الجاهزية لأي تهديد داخلي قد يتصاعد.
الخاتمة
تواجه إيران منعطفا تاريخيا حاسما، احتجاجات شعبية تتسع، ونظام يستخدم كل أدوات القمع المتاحة مع إجراءات استباقية لقطع الطريق على أي تحول نوعي في الحراك. وفي الوقت نفسه، تشهد مؤسساته العسكرية والأمنية إعادة تشكيل وترقيات تعكس سعي القيادة لبناء قيادة موحدة وقادرة بعد صدمات الحرب، والتحدي الأكبر للنظام هو أن يعالج جذور الغضب الشعبي المتفاقم بسبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، بينما يبدو حتى الآن منغلقا في دائرة رد الفعل الأمني وإعادة ترتيب حرسه الحديدي، والمعادلة صعبة، تكمن في الصراع بين الشارع المتذمر والدولة المتشبثة ببقائها مما يدخلها منعطفا جديدا، نتائجه ستحدد ملامح إيران في الفترة القادمة.